علي الأحمدي الميانجي
32
مكاتيب الأئمة ( ع )
ثُمَّ وَجَّهَ إليهِ قائِداً في أربَعةِ آلافٍ ، وَكانَ مِن كِندَةَ ، وَأمَرَهُ أنْ يُعَسكِرَ بالأنبارِ « 1 » ولا يُحدِثَ شَيئاً حَتَّى يَأتيه أمرُهُ . فَلَمَّا تَوَجَّه إلى الأنبارِ ، وَنَزَلَ بِها ، وَعَلِمَ مُعاوِيَةُ بِذلِكَ بَعَثَ إليهِ رُسُلًا ، وَكتَبَ إليهِ مَعَهُم : إنَّك إن أقبلت إليَّ ولَّيتُكَ بَعضَ كُوَرِ الشَّامِ ، أو الجَزيرَةِ ، غَيرَ مُنفِسٍ عَلَيكَ . وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم ، فقبض الكنديّ - عدو اللَّه - المال ، وقلب على الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية ، في مائتي رجل من خاصَّته وأهل بيته . وبلغ الحسن عليه السلام ذلك فقام خطيباً وقال : هذا الكِندِيُّ تَوَجَّهَ إلى مُعاوِيَةَ وَغَدَرَ بي وَبِكُم ، وَقَد أخبَرتُكُم مَرَّةً بَعدَ أُخرى ، أنَّهُ لا وَفاءَ لَكُم ، أَنتُم عَبيدُ الدُّنيا ، وَأَنا مُوَجّهٌ رَجُلًا آخَرَ مَكانَهُ ، وَأنا أَعلَمُ أنَّهُ سَيَفعَلُ بي وبِكُم ما فَعَلَ صاحِبُهُ ، لا يُراقِبُ اللَّهَ فِيَّ ولا فيكُم . فبعث إليه رجلًا من مراد في أربعة آلاف ، وتقدَّم إليه بمشهد من النَّاس ، وتوكَّد عليه ، وأخبره أنَّه سيغدر كما غدر الكنديّ ، فحلف له بالأيمان الَّتي لا تقوم لها الجبال أنَّه لا يفعل . فقال الحسن عليه السلام : إنَّهُ سَيَغدِرُ . فلمَّا توجَّه إلى الأنبار ، أرسل معاوية إليه رسلًا ، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه ، وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ، ومنَّاه أيّ ولاية أحبّ من كور الشَّام ، أو الجزيرة ، فقلب على الحسن عليه السلام ، وأخذ طريقه إلى معاوية ، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود ، وبلغ الحسن عليه السلام ما فعل المراديّ ، فقام خطيباً وقال : قد أخبَرتُكُم مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ أنَّكُم لا تَفونَ للَّهِ بِعُهودٍ ، وَهذا صاحِبُكُم المُرادِيُّ غَدَرَ بي وَبِكُم ، وَصارَ إلى مُعاوِيَةَ .
--> ( 1 ) الأنبار : مدينة على نهر الفرات ، غربي بغداد .